العودة للخلف

(الرابع والعشرون) شروط قبول العمل ومحبطاته

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 1

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ الله جلَّ وعلا لا يقبلُ من العبد عملًا إلا إذا توفر فيه شرطان:

الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى. وحقيقته: ألا يُعبد إلا الله تعالى وحده، وأن يَبتغي العاملُ بعملهِ وجْهَ الله دون غيره من الأغراض الفاسدة.

قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .

وقال سبحانه: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3].

وفي الحديث القدسي يقول النبي ﷺ: قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»([1]).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «أصل العمل الصالح هو إخلاص العبد لله تعالى في نيته»([2]).

الشرط الثانـي: المتابعة للرسول. أي موافقة هَدي النبيِّ في الظاهر والباطن فلا يُعبد اللهُ سبحانه إلا بما شرَعَه، والمتابعة النافعة لا تحصل إلا بتجريد المتابعة للرسول في كل ما يُتعبَّد به لله تعالى.

قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، وقال سبحانه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]

وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: «مَن أحدَثَ في أمْرنا هَذا مَا ليسَ مِنْه فهو رَدّ»، ولمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»([3]).

ومن الأدلة التي جمعتْ شرطي العبادات:

قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]

وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]. وقوله تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22]

قال ابنُ تيمية رحمه الله: «العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فإنَّ الإسلامَ مبنيٌّ على أصلين:

أحدهما: أن نعبدَ اللهَ وحده لا شريك له.

والثاني: أن نعبدَه بما شرعَه على لسان رسوله لا نعبده بالأهواء والبدع.

قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الجاثية: 18، وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].

فليس لأحدٍ أنْ يعبدَ الله إلا بما شرعه رسولُه مِن واجب ومستحب، لا يَعبدُه بالأمور المبتدعة، كما ثبت في السنن([4]) من حديث العرباض بن سارية [أنّ النبي قال: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»]، وفي مسلم([5]) أنه كان يقول في خطبته: «خيرُ الكَلام كلامُ اللهِ وخيرُ الهُدَى هُدى محمّد وشرُّ الأمور مُحدَثاتها وكلُّ بدعةٍ ضَلالة»، وليس لأحدٍ أنْ يعبدَ إلا الله وحده، فلا يُصلِّي إلا لله ولا يصوم إلا لله ولا يحج إلا بيتَ الله ولا يتوكَّل إلا على الله ولا يخاف إلا الله ولا ينذر إلا لله ولا يحلف إلا بالله»([6]).

وإذا اجتهدت في العمل محقِّقًا الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ورجوت من الله القبول

فاحذر على نفسك من : (محبطات الأعمال). وهي كثيرة، ومنها:

1- الرياء والسمعة: أي مراءاة الناس بالعمل أي يعمل ليراه الناس يطلبُ مدحَهم وثناءَهم والوجاهَة والحظوة عندهم، ونحو ذلك. والتسميع: أي يعمل ليُسمَع به، وقد يجتمع الأمران كما لو تفاصح الخطيب، أو ترنّم القاري يقصد المنزلةَ عند الناس وليقال قاري. ولهذا كان أهل الصلاح يخفون ما يمكن من الأعمال الصالحة. قال : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ»([7]).

2- قصد الدنيا وزينتها بعمل الآخرة: قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15-16]

فمن كانت الدنيا وحطامها مقصوده والدين وسيلة: حَبط عملُه. قال رسول الله : «فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمِ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ»([8]). وقال ﷺ: «مَن تعلَّم علمًا مما يُبتَغَى به وجهُ الله عزَّ وجلَّ لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عَرَضاً من الدُّنيا لم يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامة» يعني ريحَها([9]).

3- وهو أعظم المحبطات: الشرك بالله تعالى {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو للجنّ، واعتقاد أنَّ غيرَ الله يتصرَّف في الكون، فيجب على المسلم أن يتعلَّم الشرك وأنواعَه وصُوَرَه ليحْذَره.

4- المَنّ والأذى بعدَ الصدقة: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] والمَنَّان: الذي يعدِّد نِعَمَه وإحسَانه ويظهرها للخلق. والأذى: أنْ يتفاخرَ بها على الآخِذ ويبيِّن أنه فوقَه بذلك ويذكرها للناس فيتأذى الآخذ بذلك.

5- إتيان العرَّاف: كما في مسلم أنَّ النبي قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»([10]).

قال العلّامة ابن عثيمين رحمه الله: «العراف الذي يخبر عن المستقبل، وسؤاله حرام للحديث، وأمّا مَن سأله فصدَّقه بما يقول فهذا كفر لأنه تكذيب بقول الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]» ([11]).

6- مقارنة بعض السيئات: فإنها قد تُحبط أجرَ العمل، كما قال رسول الله : «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ»([12]). وكقوله : «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ»([13]).

7- العُجْب: وهو مرض يكون بعد العمل، وحقيقته: رؤيةُ العَمَل واستعظامه وظن أنه محقِّق للنجاة وموجب للجنة، وتصوُّر المعْجَب استحقاقه بالعمل رتبة فوق الخلق. فالمعجَب: عنده زهْو بما عنده مِن عمل، نسأل الله العافية.

روى جندب رضي الله عنه أن رسول الله حدَّث: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ! وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»([14]).

ولهذا قال النبيُّ «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»([15]).

نسأل الله تعالى أنْ يُصلح لنا أعمالنا وأقوالنا، وديننا ودنيانا وآخرتَنا، وأنْ يجعلَ الحياة زيادةً لنا في كل خير، وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر. والحمد لله العالمين.



([1]) أخرجه مسلم 2985 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([2]) مجموع الفتاوى  18/ 246.

([3]) البخاري 2697، مسلم 1718 .

([4]) سنن أبي داود 4607 ، مسند أحمد 17144 .

([5]) صحيح مسلم 867.

([6]) مجموع الفتاوى 1/ 80 ـ 85.

([7]) البخاري 6499، ومسلم 2987 عن جندب رضي الله عنه..

([8]) مسند أحمد 21222، عن كعب رضي الله عنه وهو صحيح.

([9]) أبو داود 3664، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

([10]) صحيح مسلم 2230.

([11]) القول المفيد 1/533.

([12]) صحيح مسلم 70 .

([13]) مسند أحمد 8856 ، وهو في الجامع الصحيح 1081.

([14]) روا مسلم 2621.

([15]) رواه مسلم 2816 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح